صالح شبيل أبوعبدالعزيزوأسامه
كتب في مجموعة التوجيه و التقويم التربوي اليمن
حين يغضب المعلمون
نستهل موضوعنا بمقولة للخليفة المأمون تعزو غفلة المعلمين لعنائهم الدائم في تبديد ظلمات الجهل ! " وقد بلغني أن بعض المؤدبين للمأمون أساء أدبه على المأمون وكان صغيرا , فقال المأمون : ما ظنك بمن يجلو عقولنا بأدبه و يصدأ عقله بجهلنا , ويوقرنا بزكانته و نستخفه بطيشنا , و يشحذ أذهاننا بفوائده , و يكل ذهنه بغينا , فلا يزال يعارض بعلمه جهلنا , و بيقظته غفلتنا , و بكماله نقصنا , حتى نستغرق محمود خصاله ,و يستغرق مذموم خصالنا , فإذا برعنا في الاستفادة برع هو في البلادة , وإذا تحلينا بأوفر الآداب , تعطل من جميع الأسباب , فنحن الدهر ننزع منه آدابه المكتسبة فنستفيدها دونه , ونثبت فيه أخلاقنا الغريزية فينفرد بها دوننا , فهو طول عمره يُكسبنا عقلا , ويكتسب منا جهلا , فهو كذبالة السراج ودودة القز "وقد أخطأ المثل الذي قال أن عقل امرأة يعدل سبعين حائكا , وعقل حائك يعدل سبعين معلما , و السبب أنه مع الصبيان بالنهار , ومع النساء بالليل !

فمن المحير فعلا أن تتسم مهنة التعليم بالوضاعة في عصر شهد ازدهارا علميا و معرفيا رائدا .
ورغم التبجيل الذي قوبل به المعلمون مطلع القرن العشرين , حين نظم أحمد شوقي رائعته الشهيرة " قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا " إلا أن مسلسل اللمز و التبخيس من قدرهم لم يتوقف . فتواترت المئات من النكت و الكتابات الساخرة التي تحمل المعلم وزر التخلف و الانكسار الحضاري ,و تعتبره المسؤول عن الانفلات القيمي الحاصل !
إن الغضب التعليمي الذي تستبطنه اليوم عشرات الاحتجاجات و الإضرابات و بيانات الاستنكار و التنديد لا ينبغي قصره دوما على المطلب المادي , بل هو يعكس في الحقيقة مرارة و غبنا جراء اتساع دائرة التبخيس , و تعدد مظاهر النيل من شرف المهنة و كرامة القائم عليها . فالتصور التربوي القديم الذي يعد المدرس مجرد ناقل للمعرفة في شكلها الأولي ,لا يزال يخيم على العقول رغم النقلة المعرفية التي يشهدها حقل التربية . وهو ما يؤثر سلبا على مكانته في سلم القيمة الفكرية :" إن مهنة المربي لم تكتسب بعد في مجتمعاتنا المكانة الطبيعية التي يؤهلها لها حقها في اتخاذ مكانها على سلم القيمة الفكرية . فالمحامي حتى وإن لم يكن ذا ذكاء عال , إنما هو مدين فيما يتمتع به من احترام إلى علم محترم , إذ أن القانون يستمد مركزه من منابع محدودة بوضوح مصدرُها أساتذة الجامعة . و إن الطبيب حتى وإن لم يفلح دوما في شفاء مرضاه , إنما يمثل علما أجوف , يتطلب اكتسابه جهودا مضنية وأساليب معينة , ويمثل المدرس في الجامعة ما يدرسه من علم يكرس له حياته في سبيل تقدمه . و إن ما يفتقر إليه معلم المدرسة , مقارنة مع هؤلاء كافة , هو مكانة فكرية تضاهي ما يتمتع به سواه من مدرسي الجامعات مثلا , وأن السبب في فقدان ذلك إنما يعود إلى مجموعة من الظروف غير الاعتيادية و المقلقة حقا "
أما المظهر الثاني للتبخيس فمرتبط بضعف الإعداد المهني للمعلم , وتزويده بعدة تكوينية لاتتيح له فرص الإبداع و الكشف و الارتقاء من مستوى ناقل ليصبح باحثا تحظى فعاليته بالمكانة اللائقة . أما بعد التحاقه بعمله فإن صلته بالمستجد التربوي تكاد تنقطع لغياب التوجيه المحفز على تطوير الأداء , فيبدو المعلم و كأنه دُرب للقيام بالتدريس في عالم الأمس و ليس في عالم الغد . و إذا حدث بالصدفة أن دُرب من أجل الغد فإن الحقائق و مقتضيات الأعمال التي يُكلف بها عند أول تعيين له سرعان ما تقيد جهوده . و سوف يكون نموه المهني من هذه النقطة و في أحسن الأحوال مشكلا و خاصة إذا تعرض للعزلة و الانفصال في مدرسة معينة في قرية نائية .
و ينشأ المظهر الثالث للتبخيس عن إخفاق المنظومة التربوية في ملاحقة التطور العولمي السريع , و الحد من قدرة البدائل التكنولوجية و الإعلامية في التأثير سلبا على تنشئة الطفل وتوجيه اهتماماته. وكان من تبعات هذا الإخفاق أن تراجعت مكانة المعلم وهيبته أمام إغراءات التعلم البديل الذي تتفنن تكنولوجيا المعلومات في تيسيره للطفل .
ينضاف إلى ما ذُكر : توالي فشل السياسات التعليمية , و الزج بالمنظومة في دوامة التجريب اللامتناهي لوصفات بيداغوجية منزوعة من سياقها الاجتماعي , وغياب فلسفة تربوية واقعية ومتماسكة تلتئم حولها جهود المنظرين و الفاعلين على السواء .
يذكر التاريخ أن ألمانيا لما حققت نصرا كاسحا على فرنسا في الحرب السبعينية , سُئل القائد بسمارك : بم انتصرتم على فرنسا ؟ فقال قولته الشهيرة " لقد غلبنا جارتنا بمعلم المدرسة " في إحالة بليغة على الطاقة الخلاقة التي تنبعث في الأمة حين تصدق في كسب رهان التربية .
إن غضب المعلمين اليوم مؤشر على رفض صريح للبقاء في مؤخرة الركب , وحرص على استعادة وهج المدرسة ودورها الآكيد في تشكيل العقول و تحرير الطاقات المبدعة . ومالم تتضافر الجهود و العزائم لتفكيك خطاب اللمز و المساس بالوضع الاعتباري للمعلم فإن مشاريع التنمية و التحديث و الاستجابة للتحدي الحضاري لن تبرح مربع الأماني و أحلام اليقظة !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق